الأربعاء، 19 مارس 2008

الرحيل

"الذي رحل لن يعود"
قالها الرجل لنفسه, قبل ان يغادر مكانه الذي اعتصم به زمنا طويلا. هز راسه, كانه يؤكد لنفسه:" حتى النهر فانه لا يمر امامنا مرتين, كذلك الاموات ". نظر الى المكان الذي كانت تشغله زوجته على السرير, وقال كانه يواعدها:"الاموات لا يعودون, لكننا نذهب اليهم".
عندما شاهده الناس في القرية مارا في شوارعها خارج منزله, لم يصدقو انه اخيرا اقتنع بقضاء القدر, وعاود حياته. وعندما وطئ بقدميه باب منزله, عائدا, توجه بناظريه الى جميع زوايا غرفة الاستقبال كانه يبحث عنها, ولما لم يجدها استلقى على مقعد. وما ان رفع نظره حتى شاهدها تبتسم وسط اطار معلق على الحائط, نظر طويلا الى الصورة كانه يريد اعادة تركيب صورتها بذهنه وتفاجأ كم ان ذاكرته خانته بالاحتفاظ بتفاصيل وجهها وخاصة تلك اللمسات التي لا يمكن رسمها او وصفها, انما تدرك بالعقل. وعندها ساءل نفسه: "كم مضى على رحيلك"؟. وما كاد يهم بحساب الزمن حتى سمع بالخارج وقع اقدام, ثم صوت امراة عرف انها جارته, يعلن عن قدومها.
كانت ام محمد التي شاهدته يدخل منزله وهو بحالة رثة ومنهك, تحمل بيديها بعض من طعام اعدته لعائلتها.
- "الحمدلله على السلامة يا جار, اهلا وسهلا بك في بيتك". وهي تغالب دموعها:
- "الله يرحمها, كانت غالية على الجميع, لكنها ارداة الله ولا يغيير منها الحزن" . وكانها ادركت للسبب الذي اتت من اجله:
- "هذا من خير الله وخيرك, الله يرحمها".
كانت الايام تدور دورتها المعتادة, دون ان تلتفت الى غياب احد ما. عادت طيور السنونو لتبني اعشاشها في زوايا البيت. نظر اليها مليا كانه يرحب بعودتها, ابتسم شيء ما بداخله. لكم احبت زينب تلك الطيور دون تأفف من برازها وزعيقها: "فأل خير. انت تعرف الى اي كم من الطمأنينة تحتاج تلك الطيور حتى تقرر ان تجاورك, وكوننا مبعث طمأنينة فان ذلك نعمة من عند الله؟". كانت تقول دائما عندما كان يتأفف اذا تبرزت تلك الطيور. "أي فأل خير الذي كنت تواعدينني به؟ هل هو غيابك عني؟". كاد أن يغضب من الطيور التي ملأت جو الغرفة جيئة وذهابا. الا أنه عاد ليبتسم مدفوعا بشء ما بداخله يدعوه للترحيب بتلك الطيور السوداء الصغيرة, مع شيء من التفاؤل. وعندما ادرك ذلك تبسم مرة أخرى,:"هل انت من تبتسمين يا زينب ؟".
في الخارج كانت شمس الربيع تحنو بدفئ على براعم اشجاره كأنها تشجعها على ان تتفتح وريقاتها الخضراء, بينما الفراشات تطيح بأجنحتها بين الزهور تنافس حشرات النحل على امتصاص رحيقها. ويدفع الدفء ذاته اولاد الحارة الصغار للخروج على شرفات منازلهم وعلى الطرقات للهو بينما اصوات الامهات تدعوهن, عبثا, للحذر وعدم اللعب بمستنقعات المياه. كم كان يتمنى لو انه يسمع صوت زينب تنادي على ابنهما الذي لم يمهله مرضها على منحه اياه, كم كان يتمنى لو ان ابنه يلهو مع اطفال الحارة. "سيكون لنا أجمل طفل بالعالم", كانت تمنيه دائما."بس انت شد همتك ووصي عليه". كانت تقولها بدلع واغراء كلما ارادت جذبه الى السرير. كانت تعشق الحياة بكل حذافيراها ولا تريد ان تترك فرصة تذهب من غير عشق, "كانها كانت تدرك قصر اجلها". حدث نفسه.
قبل 25عاما, كان يلهو مع زينب في نفس المكان, في الجانب الآخر من المكان كانت تقوم خربة تحجب من خلفها عن الناظرين, وهي بذلك كانت المكان الآمن له ولزينب, للهوهما, وايضا حبهما. وهناك ضبطتهما امها وهما يستطلعان كل جسد الآخر, نهرتهما الام, جذبت ابنتها, ناحيتها وهمت بملاحقته الا انه استطاع الفرار, ما ان اصبح عند زاوية الخربة حتى التفت الى زينب مناديا عليها ان توافيه الى الناحية الاخرى. كان من الصغر ليستوعب ماذا يفعل ولماذا يمنع عليه استطلاع جسد زينب. وعندما اتت ام زينب لتشكيه عند امه, انبته امه الا انها لم تخف فرحها, بان ابنها اصبح (رجلا), وكانها تريد ان تطمئن ام زينب, :" في النهاية زينب لحسن وحسن لزينب ", الا ن ام زينب تغضب, "بعدو العكروت ما طلع من البيضة".
تذكر حسن كل ذلك وهو يقف امام منزله, امامه صبية وبنات الحارة. نزلت دمعة على خده, تساءل فجاة :"اين انت يازينب؟".

ليست هناك تعليقات: